محمد جواد مغنية
279
في ظلال نهج البلاغة
عين من لم يره تنكره ) . لأنها قد رأت خلقه وآثاره ، فآمنت به تماما كما تؤمن بوجود الرسام إذا رأت رسمه ، وبوجود الباني إذا رأت بناءه ، وسئل الإمام الرضا ( ع ) عن رؤية اللَّه بالبصر فقال ما يتلخص بأن الرؤية لو كانت ممكنة لانحصر طريق الإيمان باللَّه بالرؤية البصرية ، والمفروض ان ما من أحد قد رآه سبحانه ، فلا يكون في الدنيا مؤمن على الاطلاق . . هذا إلى أن الإيمان الذي يستند إلى العين يموت بموتها ، أما الإيمان الذي يستند إلى العقل والقلب فإنه باق ببقاء العقل ، وخالد بخلود الروح ( ولا قلب من أثبته يبصره ) بالذات ، ويدركه بالكنه والحقيقة ، وإنما يعرفه سبحانه بخلقه وآثاره . 4 - ( سبق في العلو فلا شيء أعلى منه ) . والسر لهذا العلو هو الكمال المطلق من جميع الجهات ، فهو أزلي كان ولم يكن معه شيء ، وأبدي يبقى ويفنى كل شيء ، وقادر لا يعجزه شيء : وعالم يحيط بكل شيء ، وغني عن كل شيء ( وقرب في الدنو فلا شيء أقرب منه ) . وأي شيء أقرب من الخالق إلى المخلوق ، ومن العلم إلى المعلوم ، العالم بخفيات الأمور وما تنطوي عليه الصدور . ( فلا استعلاؤه باعده عن شيء من خلقه ) . بل دنوه سبحانه من خلقه وكونهم في قدرته وقبضته ، وفي علمه وعنايته هو الذي أبعده عنهم في ذاته وصفاته ( ولا قربه ساواهم في المكان به ) . هو سبحانه قريب من عباده لأنه يراهم ويسمعهم : * ( وإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ ) * - 186 البقرة . وهو تعالى بعيد عنهم لأنهم لا يرونه ولا يسمعونه * ( لَيْسَ كَمِثْلِه شَيْءٌ وهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ لَه مَقالِيدُ السَّماواتِ والأَرْضِ ) * - 12 الشورى . ومن أقوال الإمام : « قرب فنأى ، وعلا فدنا » . ( لم يطلع العقول على تحديد صفته ) . لأن صفته لا حد لها ولا بداية ونهاية وهل للمطلق من حدود وقيود سمع الإمام الصادق ( ع ) رجلا يقول : اللَّه أكبر . فقال له : أكبر من أي شيء قال الرجل : من كل شيء . فقال الإمام : كان اللَّه ولم يكن معه شيء . قال الرجل : فما ذا أقول قال الإمام : قل ، اللَّه أكبر من أن يوصف . ( ولم يحجبها عن واجب معرفته ) . حيث أوجد سبحانه الآيات والبينات على وجوده وعظمته ، وهي ( إعلام الوجود على إقرار قلب ذي الجحود ) . والمراد